السيد كمال الحيدري

49

المعاد روية قرآنية

والعبادة ليست هي الهدف والغاية النهائيّة ، وإنّما هي طريق الوصول إلى المقام الأسمى في الخلقة وهى مرتبة اليقين : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( الحجر : 99 ) . واليقين مقامٌ عظيم في القرآن الكريم ، وهو الذي وصل إليه النبىّ إبراهيم عليه السلام : وَكَذلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( الأنعام : 75 ) . فكمال الإنسان في أن يصل إلى اليقين . وفى تفسير قوله تعالى : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ( الأنبياء : 17 16 ) أشار السيّد الطباطبائي إلى دليل الحكمة ودوره في إثبات المعاد واليوم الآخر ، فقال : « . . فلو كان خلق العالم المشهود لا لغاية يتوجّه إليها ويقصد لأجلها وكان الله سبحانه لا يزال يوجد ويعدم ويحيى ويُميت ويعمّر ويخرّب ، لا لغاية تترتّب على هذه الأفعال ولا لغرض يعمل لأجله ما يعمل ، بل إنّما يفعلها لأجل نفسها ويريد أن يراها واحداً بعد واحد فيشتغل بها دفعاً لضجر أو ملل أو كسل أو فراراً من الوحدة أو انطلاقاً من الخلوة كحالنا نحن إذا اشتغلنا بعمل نلعب به ونتلهّى لندفع به نقصاً طرأ علينا وعارضة سوء لا نستطيبها لأنفسنا من ملال أو كلال أو كسل أو فشل أو نحو ذلك . فاللّعب بنظر آخر هو اللّهو ، ولذلك نراه سبحانه عبّر في الآية الأولى باللّعب : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ثمّ بدّله في الآية الثانية التي هي في مقام التعليل لها لهواً فوضع اللّهو مكان اللعب لتتمّ الحجّة . وتلهّيه تعالى بشئ من خلقه مُحال ؛ لأنّ اللّهو لا يتمّ لهواً إلّا برفع حاجة من حوائج اللاهي ودفع نقيصة من نقائصه نفسه فهو من الأسباب المؤثّرة ،